العسل في العسل البري لمحمد علي طه

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 

"العسَل البرّي" آخر مجموعة قصصية تصدر قبل شهرين للكاتب محمد علي طه عن دار الشروق في عمان. وما يُثير اهتمام المُتابع لإصدارات قصص محمد علي طه في قصص هذه المجموعة النزوع نحو التحرّر من قيود المواضيع والأساليب التي تميّز بها الكاتب في معظم قصصه السابقة. وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير.

 

تضم المجموعة ثماني قصص قصيرة وتسع قصص قصيرة قصيرة جدّا. ومن بين الثماني قصص القصيرة فقط قصة واحدة هي قصة "أجمل عريس في الدنيا" وكذلك قصة واحدة من القصص القصيرة جدا هي قصة "الجدار" تناولت قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

          قصة "أجمل عريس في الدنيا" عادية ولا تخرج عمّا عهدناه في قصص الكاتب القصيرة السابقة من طرح لقضية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية عام 1967  ووحدة الشعب الفلسطيني في رفضه ومقاومته لهذا الاحتلال يوميا، كما أن القصة كانت تقليدية في بنائها ومترهلة في تفاصيلها حيث كان يفضل لو اختصر الكثير من مشهد النسوة واقتصره على تَحلقهنّ حول الجثمان والنَّدْب عليه ، لكن كما تعوّدنا من الكاتب فهو يصر على التغلغل في عالم النساء وكشف ما تخبئ الواحدة من رغبات وتمنيات ومشاعر وآراء في كل ما يتعلق بعلاقتها مع الرجل. لكن الإطالة في المشهد والرغبة في التفاصيل جعلته غير مقنع وزائدا، ويفضل الاستغناء عنه.

 

          بينما كانت قصة "الجدار" ناجحة جدا في طرحها للقضية وتجنيدها للقارئ ضد الاحتلال، فالكاتب ابتعد عن الشعارات والتعابير الانفعالية الصاخبة وترك الوالد وابنه يتحدثان بهدوء. الابن يسأل راغبا في معرفة الجواب والوالد يجيب بهدوء وبكلمات بسيطة ومحددة وذات دلالات وإيحاءات بعيدة ومتعددة. غير واثق من قدرة ولده باسل ابن السادسة على الفهم. الإبن ينظر إلى جدار الاسمنت المسلح العالي المترامي أمامهما ويسأل والده : هل نهاية العالم هنا؟ فيجيبه الأب : ربما. ولم يقتنع باسل بالجواب فيسأله : ماذا تعني ربما؟ يردّ الأب بذكاء وهدوء وإثارة: ربما نهاية العالم هنا وربما بداية العالم هنا. وإذ يقول له ابنه : لا أفهم شيئا. يتمتم الأب: وأنا أيضا.

 

لكن هذا الطفل الذكي، وقد بدأ يستوعب ما يعنيه بناء مثل هذا الجدار بعد أن سمع جواب والده:  بأنهم بنوا الجدار "كي يحجزوا ضوء القمر ونسيم البحر ويمنعوا بزوغ الفجر. سحب راحته من راحة والده وأخرج طبشورة من جيب بنطاله وكتب على الجدار متحديا بُناته: لن تحجزوا ضوء القمر. لن تمنعوا بزوغ الفجر". (ص123)

 

نجاح قصة الجدار لم تكن فقط في الطرح الذكي للقضية وإنما في الحوار الهادئ الذي دار بين الوالد وابنه، والجمل القصيرة، والكلمات المحددة، والدلالات البعيدة العميقة، والابتعاد عن كل تفصيل لا حاجة له وعن كل زيادة يُسْتَغنى عنها.

 

ومثلها كانت قصة " الجامع الصغير" حادّة في طرحها لوضع العربي في هذه البلاد بعد أن كان هو صاحبها وسيدها ومُدبّر أمرها. فكما تَوارى "الجامع" الذي بناه الظاهرُ عمر بين البنايات الضخمة التي تحيط به، وفي الحارة الغريبة عنه، والمدينة المُتنكرة له، هكذا هي حالة العربي المتراجعة دوما لتضمحل وتتوارى وسط السّعي المُتكالب لطَمس الحقّ العربي والوجودِ العربي في هذه البلاد.

 

وبينما اعتمد الكاتب في قصة "الجدار" على الحوار المكثف الجميل، فانه في قصة "الجامع الصغير" اعتمد الجمل الخبرية الحادّة الواضحة في مفرداتها ومَقاصدها. وابتدأ كلّ جملة بكلمة "الجامع" ليؤكد للقارئ فداحة الخَطب، فالجامع الذي بناه الظاهر عمر، وعُرِف بجامع النصر، وجعله في حراسة السرايا ليضمنَ استمراريةَ الاهتمام به والمحافظة عليه، ورأى فيه الناس رمزا لتراثهم وارتباطهم بوطنهم وأرضهم يتوارى ويتراجع ويصغر بسبب ما يطرأ حوله يوميا، تماما كما يحدث للانسان العربي قي هذه البلاد، حيث يجد نفسَه مُهدّدا يوميا في وجوده المعنوي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الجسدي. ولهذا كان التّماهي ما بين الانسان العربي والجامع، وكلما ينظر في المرآة يجد أنه هو الجامع الصغير.

 

كان محمد علي طه، في قصصه السابقة التي تناول فيها الصراعَ الفلسطيني الاسرائيلي ووضْعَ أهلنا في الأراضي المحتلة ومقاومتهم للاحتلال، يهتم بتَحديد مكان وزمان القصة (مخيّم الدهيشة، تل الزعتر، الزيب ، إلخ" لكنّه في قصة "أجمل عريس" وقصة "الجدار" اختار تجاهل تحديد المكان، ونبّه القارئ إلى عدم جدوى البحث في الخريطة عن اسم البلدة التي تجري فيها الأحداث لأنه لن يجدها "أرجوكم ألاّ تُجهدوا أنفسَكم في البحث عنها في الأطالس المحفوظة في مكاتبكم وخزائنكم من أيام الدراسة في القرية أو المدينة أو في خرائط فلسطين الانتدابية المعلقة في مكاتبكم أو على جدران بيوتكم للذكرى، فلن تجدوها ولو استغثتم بسراج وفتيلة، وشموع وعَدَسات"(ص79). وقد يكون الاسم وهميا من اختلاق الكاتب، ولكنه خلال السّرد عَرّفنا أنها تقع في الجهة الغربية الجنوبية لمدينة نابلس.

كذلك في قصة "الجدار" لم يُحدّد مكانَ الجدار ولا الزمن الذي حدثت فيه القصة، وكأننا بالكاتب أراد أنْ يتعالى عن التّخْصيص في طرحه لقضية الحرية والاستقلال ومقاومة الاحتلال وسياسة الفَصْل العنصري، ويُقَرّر أنها لم تَعُدْ تخصّ الشعبَ الفلسطيني وحدَه في هذا العالم، وإنّما هي قضيّة كل انسان أيّا كان.

 

قد تبدو مواضيع قصص المجموعة عادية، وهي كذلك إذا اكتفينا بالتوقف عند المواضيع التي عالجتها، لكنها تبدو في غاية التجديد والتطوّر والخروج من الدائرة إذا ما استذكرنا المجموعات القَصصيّة السابقة للكاتب، ويتعدّى ذلك إلى كَيْفيّة طرح المواضيع والفنيّة في العَرض والسرد والتوزيع والحوار والرّسم للمشاهد والشخصيات.

 

فالحاجة راضية كانت قانعة بحياتها وبما كُتِب عليها، تعيش حياتها مع قطتها "روزا" وسط أهل بلدتها تشاطرهم الحياة بكل همومها وحلاوتها، تؤدي فروض الصلاة في مواعيدها "تُصلّي الركعات الأربع وتبقى على سجادة الصلاة دقائق طويلة رافعة راحتيها متضرعة مبتهلة تُردد دعاءها وتمسح جبينها ووجهها ثم تتناول سبحتها أم تسع وتسعين خرزة وتأخذ بالتسبيح والتكبير والحمدلة والحوقلة حتى تبتسم الغزالة من وراء الجبل الشرقي فتنهض لتمارس عملها في البيت أو الساحة أو الحديقة الصغيرة"(ص9) . حتى دخل حياتها وشاطرها بيتها العصفور الصغير الذي خلّصته من براثن قطتها، فتبدلت حياتها وتغيّرت أحوالها وانشغلت أوقاتها ولم تعد الحاجة راضية التي عرفها أهل بلدتها.

 

ومثل الحاجة راضية كان الكاتب في قصة "العَسَل البرّي"، قبل أن يلتقي بسميح الصفدي على شاطئ البحر، راضيا ببرنامجه اليومي الذي يتلخص كما يقول " منذ الفاتح من حزيران حتى غرّة تشرين الثاني هوالوصول إلى شاطئ المرجان في الساعة السابعة صباحا والسير السريع على الشاطئ لمدة ساعة كاملة ثم الاستراحة ربع ساعة ثم السباحة لمدة نصف ساعة فالاستحمام ودخول المقهى وشرب زجاجة من عصير الليمون أو زجاجة من البيرة المثلجة."(ص32).

 

ويُتابع في التفصيل " فمنذ عشر سنوات وأنا أمارس هذه الهواية. أمشي. أركض. أتمدّد على الرمال. أسبح. أغني. أفكّر بما سأكتبه. أحاورُ أبطال قصصي.. أشربُ العصيرَ. آكلُ البوظة. أشربُ البيرةَ المثلجة.. والأهم من ذلك أرجو أن يبقى الأمر سرّا بيني وبينكم أتمتّع برؤية الأجسامَ الأنثويّة الشابة الجميلة الفائرة الثائرة التي لا يسترها إلاّ قطعة قماش غائبة خجلة كانت تُسَمّى مايوها ذات مرّة. لا أحد هنا يعرفني. ولا أحد يُزعجني. ولا أحد يُراقبني. ولا أحد ينتقدني على نظراتي الجائعة الشهوانيّة ويقول لي: عيب يا رجل. استحِ على شعرك الأبيض. عيناك تزنيان!" (ص 32).

 

وبعد أنْ تعدّى سميح الصفدي على خلوته، وسَرد على مَسْمَعَيْه قصتَه مع جارته اضطربت أحوال كاتبنا، وباعدته الراحة، ولازمه القلق، وهربت منه الكلمات حتى شكا حالته لصديقه، وأثار تساؤل وخوف زوجته التي هرعت إليه لتطمئن على سلامته بعد أن سمعته يشتم سميح الصفدي (المجهول بالنسبة لها) ويتّهمه بأنه لا ينام ولا يدعه ينام (ص 30).

 

ولم تختلف حال زكي أبو شريف بطل قصة "الدنيا للشاطر" فهو أيضا كان راضيا بحياته قانعا بأيامه، اعتاد أنْ  يُدخن النرجيلة ويشرب الشاي بالنعنع في مقهى السلطان بعكا القديمة وبعد ذلك يعود إلى بيته راضيا مَرضيا لتستقبله أمه بالبسمة والدعاء حتى كان وفاجأه في جلسته زميل دراسة بعيد واجتهد أن يخرجه من روتين حياته ليأخذه معه إلى عالم المال والثروات. ورغم تمنعه في البداية إلاّ أنه اقتنع بحكمة وشطارة زميله فوعده خيرا واتفق معه على العمل سوية وعاد إلى البيت والعمل الجديد يشغل باله مما دفع أمه للاقتراب منه ووضع راحتها على جبينه والتحديق به وسؤاله باهتمام وقلق عمّا به لتُفاجأ بجوابه غير المنطقي وغير المفهوم، فتدعو له بسلامة العقل.(ص135)

 

هكذا يريد الكاتب أن يقول لنا: حياة الواحد منّا تسير في خطّها المستقيم، وترتاح لعاداتها وديمومتها، وتعتاد عليها وترجو استمراريتها إلى أن يتعدى عليها ويُخَلخل مسارَها ويُشكك في سلامتها طارئ غريب لم نتوقعه، فيُشككنا بكلّ وجودنا، ويدفعنا لحياة جديدة هي غير التي اعتدناها، فنتغيّر بتغيّرها، ونصبح غيرَ الذي كنّا، ونسعى إلى تحقيق ما لم نكن نحلم به.

 

دخول العصفور على بيت الحاجة راضية جعلها تغيّر نظرتها تجاه نفسها، وأسلوب حياتها اليومي، وعلاقاتها بقطتها والناس القريبين منها. وتعرف أنّ هناك ما يستحق أن تعيش من أجله، وتعمل لتحقيقه غير الذي اعتادت عليه. قد تكون أخطأت في تقييدها لحريّة العصفور بوضعه في القفص، ولكنها كانت ترى في القفص مأمنه من غدر القطة. وإذ كانت تخرجه من القفص ليلعب ويطير ويفرح معها لم تكن تدري أنه سيتركها ويغادر قفصه والبيت لأنه ملّ حياته الروتينية المتكررة وانطلق ليبني حياة جديدة مع عصفورته. ولم تدر الحاجة راضية أنّها بانشغالها بالعصفور الذي كسر لها روتين أيامها وأدخل الفرح والسعادة والرغبة في الحياة إلى قلبها قد أهملت قطتها روزا بل أصبحت ترى فيها المهدّدة لسعادتها بتهديدها حياة العصفور. كذلك انشغلت عن جارتها وغيرها بانهماكها بعصفورها الحبيب الصغير. وهكذا يقول لنا الكاتب لا سعادة لواحدنا إلاّ على حساب سعادة الآخر. فأنْ نبحث عن سعادتنا وفرحتنا وتحقيق أملنا، يعني أنْ نحرمَ غيرَنا سعادته وفرحته وفرصته في تحقيق أمله.

  

ولم يدع سميح الصفدي في قصة "العسل البري" كاتبَنا في خلوته وحياته التي اعتادَها وانما خلخل قواعدَها وضعضع أعمدتها، فعرف الأرق والقلق والضياع إلى أن وجد الحلّ الذي يضمن له السعادة المرجوة التي حلم بها سنوات عمره الأخيرة وهو يُراقب الأجساد الأنثوية الممتنعة عليه على شاطئ المرجان. لكن سميح الصفدي لم يكن المغفل الذي وجد فيه كاتبنا ضحيته، فقد رفض  نصيحةَ كاتبنا له بترك هالة الجميلة، وتركَه يمصمص أصابعَه نَدَما وحَسَدا وتَشوّقا وقَهْرا، وابتعد عنه وقد قلبَ حياته رأسا على عقب، ولم يجد ما يُخلّصه مما هو فيه إلا كتابة قصة سميح الصفدي وغاويته هالة، لعل كتابة القصة تُوفّر للكاتب الراحة وتُعيد له بعض الثقة بنفسه.

 

ولحظة الكشف عن الذات الداخلية وأسرارها في كل واحد منّا تبدو واضحة في نهاية قصة "العسل البري":

 " قلتُ: وجدتها. حينما يعود زوجها زره في بيته واطلب منه أنْ يأخذك معه للعمل في الجنوب. إنّ الجواب والحلّ عند زوجها.

          نظر (سميح) إليّ نظرة غريبة.. فيها سؤال..وفيها ضياع.. وفيها استياء.. وفيها .. وفيها!!

 قام عن الكرسي .. ومشى.

شيّعته بنظراتي..

يا سميح الصفدي.. تفطرُ العسل البريّ وتبحث عن الحنظل!!؟

أينَ ذهبتَ؟

هناك شيء ما أودّ أن أقوله لك.. أشياء.. لا بدّ أنْ تسمعها..

هل قلتَ لي كلّ ما عندك لأقولَ لك كلّ ما عندي؟

لا أعتقد..لا أعتقد.."(ص 46)

وأنا أيضا لا أعتقد. فقد أخفى الكاتبُ أضعافَ أضعاف ما أفشى.

 

وهذا الكشف اللائرادي عن الذات الداخلية يبدو بشفافيته ووضوحه وصدقه في قصة ""الدنيا للشاطر" فزكي أبو شريف بطل القصة القانع بحياته المرتاح لنَفَس الأرجيلة ورَشفات الشاي مع النعنع في مقهى ليالي السلطان في عكا القديمة كانت نفسه النائمة تتشوّق لحياة البَذخ والمال والغنى التي حرمت منها ، وما كاد زميل الدراسة يدغدغ فيه هذه الأحلام المكبوته حتى استفزها وأثارها فتملكته وحَرَفت به عن طريق القناعة التي عاشها ورضي بها رغم أنه كان يعرف ماذا يعني اختيار الطريق التي رسمها له زميله القديم، وأيّ سعادة ستحقق له وأيّ أحلام ستكون على حساب سعادة وأحلام الغير، والوصول لتحقيقها سيكون باختيار طُرُق الخداع والكذب والغش والغدر وما شابه. ولكنها النفس الأمّارة بالسوء التي تدفع بصاحبها لخوض غمار الحياة الجديد دون الاهتمام بما قد تُلاقي من صعاب ومَشقّات وانتكاسات ودمار.

هذه هي دواخلنا التي يُعرّيها لنا الكاتب بفنيّة وقُدرة وصدق.

 

ومثل هذه المصداقيّة والشفافية والقُدرة في الكشف عن دواخل الذات الانسانية نجدها في قصة "المسخوط" حيث انكشاف الذات الداخلية على حقيقتها تَبَدّى في تَحوّل الزوج سين-راء إلى مخلوق له حافرا حمار ووجه ذئب صحراوي، وزوجته تحولت إلى كلبة تنبح، والطبيب تحوّل إلى تيس ماعز. حيث جسّدت هذه التحوّلات غير المعقولة ما كانت تتصفُ به كلّ ذات داخلية لكلّ من الزوج والزوجة والطبيب.

 

كذلك في قصة "عزيزي السيد شوباتيرو" نرى الذات الداخلية تُحَقّق رغباتها ونوازعها المخفية التي لم تجسر على الكشف عنها في اللقاء بالغانية في جنيف في لقائها بها ثانية، ولو بالحلم، في فندق في القاهرة بعد سنوات.

 

وفي قصة "جريمة قتل" نرى الذات الداخلية تحقق رغبتها في أن تقتل. فسالم النجار الذي كره زوجته فتركته وغادرت البيت تمنى لو بإمكانه أن يقتلها وينتقمَ منها ومن الذي سبّبَ ابتعادَها عنه. فساقته نوازعه الداخلية إلى مركز الشرطة ليُساهم في التعرّف على جثة قتيل، لكنّه سرعان ما يجد نفسَه المتهم بجريمة القتل ويُلقى عليه القبض.

 

وهذا التعرّي للذات الداخلية وكشف أسرارها التي تجتهد في التستر عليها أمام الناس نجده في قصة "حلم" وقصة "فراق" حيث حقق الراوي، ومثله الفتاة في قصة "فراق" في الحلم ما عجز عنه كل منهما في الحياة. وأيضا حققت السيدة في قصة "أمومة"  رغبتها الداخلية في أن يكون لها ابن تضُمّه وتحضُنه برؤيتها للأطفال الذين يرافقون ذويهم إلى المدرسة (ص117). ومثلها، حقّق الرجل العجوز رغبتَه في الحبّ والعشق في قصة "العاشق" حيث " كان يجلس على مَقعد مُظَلّل يُقابل بوابة المدرسة الثانوية وينتظر خروج الطالبات اللاتي يُشبهن القرنفل في الصباح، يتأمل أجسادَهنّ التي تفور أنوثة وقَصّات الشعر الجريئة وأبراج الحمام والزغاليل والعجيزات المُدَمْلجة.. ويبلع ريقَه مرّة بعد أخرى. وبعدما تُغادر آخر مقصوفة عمر ينهض ويسير عائدا ببطء .. ببطء"(ص 120)

 

وتَعَرّي الذات الداخلية وانكشافُها والبوحُ بأسرارها يقودنا إلى الموقف الأُحادي الجانب في نَظرة الكاتب إلى المرأة. فالمرأة في معظم قصصه تَتمثّلُ في الجنس وفي ما تُثيره في الرجل من نَزَعات وشوق ورغبة واندفاع. فالرجلُ لا يرى في المرأة إلاّ الجسَدَ الفَتّانَ المُثير "الأجساد الجميلة، الأجساد الأنثويّة طبعا، أجساد لا تستر عورتها سوى بقايا مايوهات نسيَها مصمّمو الأزياء أو الخيّاطون. أجساد تستقبل الشمس وتتحدّاها بإشارة النصر، وأجساد تستدبرها وتدع أشعتها تنزلج على الثلج الحارّ"(ص31) و "أتمتّع برؤية اللأجسام الأنثويّة الشّابة الجميلة الفائرة الثائرة التي لا يسترها إلاّ قطعة قماش غائبة خجلة كانت تسَمّى مايوها ذات مرّة. لا أحد هنا يعرفني. لا أحد يُزعجني. ولا أحد يُراقبني. ولا أحد ينتقدني على نظراتي الجائعة الشهوانيّة ويقول لي: عيب يا رجل. استح على شعرك الأبيض. عيناك تزنيان"(ص32) "، و "كانت تطلّ من الحمام بجسمها الجميل مثل جسم الملاك.. نهداها يتحدّيانني.. يدعوانني.. فمُها يقول تعال. ثمرتا التوت تقولان تعال. عنقُها العاجي يقول تعال. قطراتُ الماء على جسدها الأسمر الجميل.. تعال.. تعال" (العسل البري ص 38) و "جسدُ هالة يدعوني. ثَغْرُها يناديني تعال.. صدرُها يناديني. ثمرةُ الجوز.. تحرق جسدي" (العسل البري ص 40). و  "زهرة زوجة خالي جميلة مثل النساء في حكايات أمي. جديلتان سوداوان طويلتان تمسّان كفلها البارز. ووجه أبيض مثل القمر البَدر. عينان سوداوان واسعتان كحّلهما الخالق. أسنان مثل زهر الأقحوان في آذار. وعنق طويل أبيض محمّر.. وصدر.. كفى.. عيب." (شريعة الشيخ مال الله ص53-54). و ""شاهدتُ امرأة جميلة تتهادى نحونا وقافلة من الابتسامات تمرح على وجهها المُشرق، ويتقدّمها صدر ناهد عامر نافر يقول لرمان كفر كنّا أقعد على جَنب" (عزيزي السيد شوباتيرو ص95). و "كانت نظراتي مركّزة على صدرها. ولأوّل وَهلة أعترفُ بأنّني لم أرَ في حياتي امرأة لها مثل هذا الصدر. عامر ثائر نافر يتحدّى. وسرح خيالي مع نظراتي في مجرى العبير بين نَهْدَيها مُتصَوّرا النبيذَ الأبيض والقهوة والحليب والتوت والتّمر". (عزيزي السيد شوباتيرو ص96). و "كانت راحتُها تنام في راحتي وأحاول أن أستبقيها لحظات أخرى وأنا أتأمّل شعرَها القصير ووجهَها المشرق وفمَها الكرزي وعينيها اللتين بهما مهرجان ألوان وعنقَها الأبيض.. و.. و.. وصدرَها المُندفع نحوي كاندفاع رأس الكرمل في البحر.. والذي شعرتُ بحرارته وهي تُصافحني .. رياح ناعمة حارّة غمرت وجهي وعنقي" (ص 97). و "أشرقت الابتسامة من عينيها الجميلتين" و "التقت نظراتي بنوّار النرجس المُتفتّح في عينيها" و " المرأة الجميلة، الابتسامة المُشرقة كما الصباح الربيعي من عينيها الواسعتين" و " ابتسمتُ لها فطارت العصافير من شفتَيها. عيناها الجميلتان تدعواني. تقولان لي: تحرّك! تشجّع!" و " رقد  الوردُ على وجنتيها وتبسّم النسرين"(قصة حلم ص 111). و "يجففُ عرقَه بمنديله المعطّر وينتظرُ خروجَ الطالبات اللاتي يُشبهن القرنفل في الصباح، يتأمل أجسادَهن التي تفورُ أنوثة وقصّات الشعر الجريئة و وأبراجَ الحمام والزغاليل والعجيزات المُدَمْلجة".(العاشق ص120). و "مرّت صبيّة فابتسمَتْ وهزّتْ رُمانَتَيها وغنّتْ: رجب .. خُد صاحبَك عني" (يا أمّة ص 121).

 

والرجل لا يطلبُ من المرأة، كما يبدو في قصص الكاتب، غيرَ الوصال الجنسي. "زوجة جارنا امرأة، امرأة جميلة. لها صوت ناعم ممزوج بالعسل البريّ. حينما تُناديني يعدو ألف حصان عربي في عروقي. أجَنّ. وأجري إليها. لبيك لبيك يا جارة وأنسى الدنيا كلّها معها.. معها."(ص36) و (ولا أدري كيف خلعتُ ملابسي.. وجدتُ نفسي معها في الحمام.. تحت الدش.. في البانيو.. أنا وهي. جسدها وجسدي. شاهدتُ ما كنتُ أجهله. كنتُ أُلَيّفُها وهي تضحك.. تضحك وتقول لي: على مَهْلك.. وفعلتُ أمورا لم تخطر لي إلاّ بالأحلام" (العسل البري ص38). و "فدفنتُ رأسي بين نَهْدَيْها.. ماذا أفعل؟ حينما تكون جائعا والفاكهة الناضجة في مُتناول يدكَ ألا تأكل؟" (العسل البري ص44). و "بدأ يتذكر أحداثا جميلة وممتعة جرت له في حياته، فتذكر الفتاةَ المغربية الجميلة التي قضى معها أسبوعا في جنيف، وتبسّم وهو يتذكر غنجَها في السرير وأنين اللذة وتَرديدَها كلمة يا بوي" (المسخوط ص64) و "شاهد المديرَ العام للشركة المنافسة مع السكرتيرة في السرير فيما كانت زوجتُه الشقرء مع عشيقها في ناد ليلي" (المسخوط ص65) و "كانت روز تحبّ زوجَها وتُشاركه في طموحه وتُشجّعه على اللف والنَّهْش ولكنها كانت تخونُه مع عشيقها الذي اختارته من أجل العَصْرَنة والحياة الحديثة، والأهم من ذلك أنّ العشيق في يده مفاتيح عديدة للمَصاعد وللتسلّق قد تُساعد زوجَها" (المسخوط ص76). و "شعرت روز بحرارة جسد الطبيب وبأصابع يدَيه على ظهرها تجسّ ظهرَها وتهبط روَيدا روَيدا وتشدّ جسدَها إلى جسده.. شعرتْ براحة. راحة تحملها على بساط حريريّ وتُبعدُها عن المأساة.. وأغمضتْ عينَيْها" (المسخوط ص76). و "شوفي.. كيف فاطمة بتْحَنّي أصابعَه! بلطافة! تتحسّسُها كأنّه حيّ يُرزَق. نِيّال الحوريّة اللي رايِح يكون من نصيبها" (أجمل عريس في الدنيا ص88). و "يا نورا. نام الذي كان يربطني بالنساء نومةَ أهل الكهف. فأجابته: لا تقلق. سأجعله يصحو. هذه مُهمّتي" (عزيزي السيد شوباتيرو ص98). و "فرحتْ عندما شَمّتْ رائحةَ الأفتَرشيف في لحافها فمدّتْ ذراعَها الأسمرَ لتضمّه إلى جسدها الذي له رائحة الغابة فذهلت عندما لم تجد أحدا. فتحت عينَيها تبحثُ عنه في سريرها فلم تجده. جلست على حافّة السرير وبحثت عنه في غرفة نومها ولم تجده. عادت تبحث عن رائحة الأفترشيف في لحافها ولم تجدها" (فراق ص116).

 

هكذا تبدو المرأة في قصص المجموعة، اللعوب الفاتنة الجميلة المثيرة التي تستغل مفاتنَها الجسدية لإثارة الرجل الذي لا يرى فيها غير الجسد الجميل المثير فينساق وراءها ويقع في حبائلها.

 

فالحبّ وما يُرافقه من لحظات السعادة وساعات الألَم والتّغلغل في نفسية وفؤاد الحبيبين ، والأحلام الجميلة التي يرسمانها معا، والجلسات الرومانسية، وآلام الشوق والبُعد والعتاب وفَرحة اللقاء ونشوة الخلوات بعيدا عن عيون الرقباء، كلّ هذه لا نجدُها في عَلاقة المرأة بالرجل في قصص الكاتب.

 

لقد تعرّض الكاتب لظواهر مهمة أخرى يعاني منها المجتمع العربي الكبير مثل مطاردة المُبدعين والمثقفين وأصحاب الرأي والمواقف التي نشهدها في الكثير من الدول العربية خاصة في مصر وسوريا (قصة "حارق التراث"). وظاهرة الثقافة السطحية التي تكتسح المجتمعات العربية، هذه الثقافة التي تنشرها الفضائيات وتُرَوّج لها، وتُبعد شبابنا وشاباتنا عن السّعي نحو المعرفة الحقيقية والثقافة الواسعة العميقة التي تُبَلور شخصية الفرد وتصنع رجالَ الغد وفتياته في كل مجتمع (قصة "يا أمّة"). وظاهرة التديّن السطحي واستغلال جهل الناس لتَمرير الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمسيئة لتطوّر المجتمع وبناء الإنسان المسئول الحر. (قصة "الشيطان").

 

 وظاهرة الاحتيال والغش والركض وراء الغنى والثروة والمركز بأساليب ملتوية مثل تأسيس جمعيات وطنيّة لا حصر لعددها ترفع شعارات كاذبة تنادي بها "لا بدّ أنّك تذكر سمير أبو عايشة الذي كان يهتف في المظاهرات: (ما عاد ينفَع غير المَدفع) أسس جمعية المحافظة على الرغيف العربي ، فدفعوا له وأقام مخبزا يوزّع خبز الطابون على مطاعم الجليل الغربي وقاعات الأفراح. وخرجت عن صمتي وسألته: ومَن الذي دفع لهؤلاء؟ فردّ: يا غَشيم هناك صناديق خاصّة لدَعم الأهل الصامدين على تراب الوطن. صندوق الهولي لاند. وصندوق التضامن. وصندوق حطين. وصندوق بيت لحم. وصندوق القدس. وممثّلو هذه الصناديق جابوا البلاد طولا وعَرضا. فهززتُ رأسي هزّات عموديّة وأنا أقول: وهل بقي لها عِرض؟ وتابع: وهناك صناديق أمريكية وأوروبية وفلسطينية وما عليك إلاّ أن تستعمل شطارتك. تؤسس جمعيّة. تضع أهدافَها. تعرف الصندوق الملائم. أمّا إذا كنتَ تودّ أن تقفز من القفّة إلى أذنيها فعليك بالصناديق الأمريكية والأوروبية فهي نبع جار. فقلتُ: مع أمريكا يا رجل!؟ مع راس الحية!؟ فضحك عاليا وقال: ما زلتَ أبله كما عرفتك. هل أنتَ يساري أكثر من سفيان الرملي. الماركسي اللينيني الذي كان يقود المظاهرات ويهتف: "علّمنا الحكيم وقال: أمريكا رأس الحية". سفيان عنده اليوم ثلاث جمعيات. جمعية صحة الطفل. وجمعية تأهيل السجين. وجمعية مجتمع ديمقراطي. الرجل يجلس على كنز. عنده امبراطورية. الأموال الأمريكية تتدفق عليه من صندوق فورد وصندوق كارتر وصندوق كندي وصندوق ترومان وصندوق ابراهيم وصندوق اسحق وصندوق يعقوب وصندوق سارة. وعلى ذمّة أصدقائه فانه ما زال يُزيّنُ مكتبَه بكتاب رأس المال ومجموعة مختارات لينين. وهذا حقّه. ماركس جاع حتى لا يجوع الناس. أمريكا تُعيد إلينا ما أخذته منّا. أوروبا تُعيد للجنوب ما سلبه الشمال. هذا حق وطني لنا. الدنيا للشاطر." (ص131- 133قصة "الدنيا للشاطر").

 

 وبعض القضايا الانسانية مثل معاناة المرأة العاقر أو العانس المحرومة من شعور الأمومة (قصة "أمومة") ومن قُرب الرجل (قصة "فراق"). ومُعاناة الرجل المتقَدّم بالسن من الشعور بالعجز والتلهف لمزاولة الجنس والانجذاب نحو فتيات صغيرات في سن المراهقة (قصة "العاشق"). ومُعاناة المرأة من شعور الوحدة والاهمال بسبب ابتعاد زوجها عنها لمدة طويلة حتى ولو لمشاغل العمل، كما تَمثّل ذلك في شخصية هالة (قصة "العَسل البري"). أو لرغبة المرأة في الانتقام من زوجها الخائن  والدافع لها لتكون سُلّمه للإرتقاء في المناصب والدرجات (قصة "المسخوط").

 

هذه الظواهر والقضايا والهموم التي عالجها الكاتب في قصص مجموعته موجودة في مجتمعاتنا العربية. وقد تناول الكاتب الكثيرَ منها في قصص مجموعاته السابقة، وأيضا تناولها غيرُه من كتّاب القصة القصيرة والرواية.

 

 لكن ما يميّز قصص هذه المجموعة أنها، كما ذكرتُ في بداية كلامي، تُشير إلى تحرّر الكاتب من قيود بعض المواضيع والأساليب التي تميّز بها في معظم قصصه السابقة.  وإذا كنتُ قد توسّعت في تناول المواضيع والظواهر والقضايا التي تعرّضَت لها القصص، فإنّ الوقوف عند التجديدات والتطوّرات في أسلوب ولغة وفنيّة هذه القصص أمر واجب، وله أهميتُه في التَّدْليل على قُدرة الكاتب على تطوير أدواته الفنيّة، وتجديد أساليب كتابته، وكشف الكنوز الغزيرة للغة العربية التي يعرف محمد علي طه كيف يتعامل معها وكيف يُطَوّعها ويُجَمّلها ويُحَبّبُها للقارئ.

 

 محمد علي طه الذي عرَفناه في إبداعاته السابقة لم يتغيّر من حيث الجوهر، وظلّ الأساس عنده صلبا قويّا ثابتا، وهذه خاصيّة كلّ مُبدع حقيقيّ.

 

 قد يكون للسنين التي عاشها الكاتب ، اولعلاقته المُتغيّرة بالزمن وبالعالم المحيط به، القريب منه والبعيد، أثرُها على الكاتب وتبدّل نظرته ممّا كان يراه سابقا، وهذا أمر طبيعيّ. لكن هذا التبدّل والتغيّر لا يكون في الجوهر وإنما في نفسيته الداخلية، وفي التعامل مع اللغة التي خاضت على يدَيه التجارب العديدة، وفي الأساليب التي يعمل جاهدا على تطويرها لتُرافقَ صَرَعات التجديد والتطوّر التي تشهدُها ساحاتُ الأدب.

 

كثيرة هي التقنيات الفنيّة التي عرفناها في قصص الكاتب السابقة موجودة في قصص هذه المجموعة مثل التوسّع في ذكر النباتات "القَندول وشقائق النعمان، البلان والورد، الجوري الأقحوان"(ص5)، " والطيور "الدوري والبلبل والحسون.. السمان والشحرور.. الحلاج واللامي.. الحنيني والشحّات.. الفسفس والزرزور.. نقّار الخشب والكحول" (ص14).

 

 والتشابيه الجميلة التي تعوّدناها منه "كانت حبيبات النّدى البلوريّة على أوراق الحبَق البيضاء مثل حبّات اللؤلؤ على فستان العروس. وكانت أزهار الحبق البيضاء الصغيرة مثل أسنان طفلة تبتسم"(ص12)، و"ترقص الأقمار والأزهار على فمها" (ص36) و "هذا حال الدنيا، تضحك لك يوما وتُبكيك أسابيع وأشهرا. تبتسم لك بشفتيها وتعضّك بأسنانها. الدنيا مثل الأفعى ناعمة وملساء وخبيثة سامّة"(ص18-19)، و"أمريكا هذه مثل الغوليّة. تتزيّن وتبدو مثل العروس الفاتنة.. تضحك للشباب.. تغمزه.. تهزّ صدرَها أمامه. ترقص له. تهزّ ردفَها فيطير عقله" (ص26). وفي تشبيهه للقصة المتمنّعة عليه بالمهرة الشموس. المهرة الأصيلة التي تأبى الترويض وترفض التطبيع." (العسل البري ص30) وقد تناول مثل هذا التشبيه العديد من الشعراء في وصفهم لكلمات القصيدة التي تتأبّى عليهم ويُطاردونها، وتُراوغ، ويُعيدون الكرّة مرات ومرات.  و "جبل الكرمل الذي يشقّ البحرَ بأنفه الجميل ومياه الخليج الزرقاء التي تغسل أقدام الكرمل."(ص33).

 

 وتضمين العديد من الأمثال "اثنان لا يعلم بهما أحد زِنا الغنيّ وموت الفقير" (ص43) و مَن شابه والده ما ظلم" (ص56). و "البوم لا ينعَق إلاّ في الخَراب" (ص84) و "جبل مع جبل لا يلتقيان وابن آدم مع ابن آدم يلتقي" (124).

 

 وأمثال شعبية "اطعم الفم تستحي العين" (ص63) و "يلعن هيك زمن.. حتى السكري تجلجَق" (ص70) و "بوس الذقن ضحك عَ اللحى" (ص124)، و "اللي مش متعوّد عَ البخور بحرق ثيابه" (ص126) و "اشتغل بالخَرا ولا تمدّ إيدَك للرجل الخَرا" (ص133) و "فَرخ البطّ عوّام" (ص135). وأقوال شعبية فيها الكنايات والاستعارات الكثيرة مثل "بلا قافية" وغيرها (ص58). واستعمال كلمات غير عربية درج العربي في بلادنا على استعمالها وتعريبها مثل كابل، فيوز،صوفا (ص14) والدّش، البانيو (ص38). وكلمات عامية مستعملة لها دلالتها بين الناس مثل "من شلعوطين ونص" (ص54)، الدّلع، شحّرها، لو وجدت كاني ماني" (ص59) ، تجلجق (ص70)، فنجرت عيناه (ص72).

 

 واستشهادات تراثية قديمة يدعم بها موقفَ أحد الشخصيّات أو تأكيد فكرة "قصّة القرينة التي تتلوّن وتتشكّل كيفما تشاء وتسرق لُبّ المعترضة له فتسحرُه وتسرقُة وتفترسُه" (ص34-35). وقصة استقبال المهدي والد ليلى لابن عوف والي بني أمية على الحجاز (ص47). وقصة ابراهيم الخليل وابنه اسماعيل (ص50). وإفتاء الامام علي (57).   وأقوال نسبها للبخاري وعبد الله بن مسعود وغيرها الكثير (ص44-45) وأحاديث نبويّة "الرسول أوصى بالجار حتى سابع جار . الرسول قال مازال جبريل يوصيني بالجار حتى حسبت انّه سيُوَرّثه" (ص35). وأبيات شعر (ص121 و130).

 

 وكما في كل قصصه السابقة ظل محمد علي طه المتمكن من الأسلوب الساخر الذي يعرف كيف يجعلنا نضحك ونبكي ونرثي ونَتَشَفّى. "تقدّم الرجل منّا وحيّانا. عرّفنا أنّه عراقي وقد قَدِمَ اليوم من بغداد. سأله شكري عن الأوضاع في العراق الشقيق كما يحبّ شكري أن يصفَه. فردّ بحماس: سوف ندوس على رأس بوش ونُعيد له جنودَه في الشْوالات.. اقتربت ساعة النصر. سألته عن هدف زيارته لجنيف فأجابني إنّه قادم ليبحثَ عن مدرسة داخليّة لابنه. واشار إلى المحروس الواقف بجانبه وينظرُ إلينا ببَلاهة. تذكّرتُ الأولادَ، من أبناء جيله في بلادنا، الذين تنقصُهم الحقائبُ والكتبُ المدرسيّة ووجباتُ الطعام. وحَدّقْتُ في الفتى الذي سيعيشُ في جنيف وسيدرسُ في مَدارسها الداخلية" (ص93). وفي هذا المشهد كلّ السّخرية والمُفارقة والضحك والبكاء والألم والغضب والشّتم لهذا الوَضْع الذي يعيشُه عالمنا العربي.

 

 ومثل هذا المشهد الجارح الصارخ كان في قصة "الدنيا للشاطر" ومَشهد الشباب المتعلم الانتهازيّ الذي فقَدَ كلّ رُؤية ورُؤيا وكرامة وعزّة وانتماء للجذور. وراح يسعى من أجل الارتزاق والغنى الفاحش، والرّفاهيّة المُرَفّهة على حساب الجماهير المأخوذة به وبشعاراته الكذّابة الخادعة.  وكنتُ قد تعَرّضتُ إليه في دراستي هذه. كما نجد بعض الإشارات الساخرة التي يكتفي بها ليقول رأيه ويرمي سهمه مثل "من غير المعقول أن يمرض المدير الطموح الشاب القوي مثل حصان البرمكي. للمرض أصول. ولمرض الأكابر أصول وقوانين وأسرار.. ثم هناك أمراض لعليّة القوم والأغنياء وهناك أمراض للفقراء وعامة الناس." (المسخوط ص70). و "عندما كان العرب عربا وكان الاسلام إسلاما" (العسل البري ص34).

 

 ومحمد علي طه هو الفنّان في اختيار اللفظة والعبارة ورَسم الصورة وخَلق المشهد.

وكما نعهده، فهو متمكن من فنّ كتابة القصة على مختلف أشكالها وتقنياتها، ويَبرز ذلك  في بدايات قصصه حيث يشدّ القارئ من الكلمات الأولى التي يبدأ بها قصته.

 

"في الصباح الباكر وجدته. كانت حبيبات الندى البلّوريّة على أوراق الحبق الخضراء وعلى أزهاره البيضاء الصغيرة مثل أسنان طفلة. وكانت الحاجة راضية تصلي حينما سمعت صوته" (العصفور والقفص ص9) ويترك القارئ ليتساءل مَن زائر الصباح هذا؟ ولماذا يستغيث ؟ وماذا باستطاعة الحاجة راضية أن تفعل له؟ أسئلة كثيرة تيُثيرها لدى القارئ ينتظر الجواب عليها وتشدّه إليها.

 

 و "هذه القصة مثل المهرة الشّموس. المهرة الأصيلة التي تأبى الترويض وترفضُ التّطبيع. كلّما أهمّ بكتابتها تتمنّع ولا تُطيعني الكلمات. مضت سنوات وأنا أراود الفكرة. وكانت تنفرُ مثل غزالة الصحراء وتهرب بعيدا" (العسل البري ص30). والأسئلة التي تُثار : أيّة قصة يُريد أن يكتبَ؟ ولماذا لا ينجح في كتابتها؟ وحول ماذا تدور ؟ ولماذا تتمنّعُ ؟ وماذا تروي؟.

 

 و "الجواد الأصيل. ذكَر وفَحل. والطنجرة كبيرة ومليئة حتى حافّتها باللبن. لبن البقر الرّائب الدّسم. والناس. الناس ذكورا وإناثا يُحيطون بالميدان كالخاتم حول الإصبع." (شريعة الشيع مال الله ص47) ونتساءل ماذا يفعل الجوادُ الأصيل في الميدان . وما علاقته بالطنجرة الكبيرة باللبن. ولماذا توجد الطنجرة؟ ولماذا لبَنُ البقر الرائب ؟ وعمّا يبحث الناسُ ويريدون رؤيته؟.

 

 و "الحبّ الذي كان بيننا مات. أنت الذي قتلته . لا تبحثي عن مشجب لتُعلقي عليه أوهامَك. ما عاد يُثيرني حتى جسدك . غُرْفَتُنا صارت باردة"(جريمة قتل ص101) وأيضا هنا يتساءل القارئ: لماذا مات الحبّ بينهما؟ ولماذا تتهمه بالقتل ؟ وماذا يقصد بكشف محاولاتها للتهرّب من المسؤولية . ولماذا لم يعدْ جسدُها يُثيره؟ . يُريد القارئ أنْ يعرفَ كلّ هذه التفصيلات.

ومثل هذه البدايات الناجحة الشادّة المثيرة نجدُها في القصص الأخرى.

 

وكما البدايات أيضا النهايات في معظم قصص محمد تأتي ناجحة. مثل: "يا سميح الصفدي.. تفطر العسل البري وتبحث عن الحنظل!!؟ أينَ ذهبتَ؟ هناك شئ ما أودّ أن أقوله لك.. أشياء .. لا بدّ أن تسمعها.. هل قلتَ لي كلّ ما عندك لأقولَ لك كلّ ما عندي؟ لا أعتقد .. لا أعتقد."(العسل البري ص46)  ومثل " والذيب يمشي مثل ديك الحارة.. وجَدّي كايد الذيب يتحسّس محفظتَه .. ويحمد الله ويشكره.. والحق لن يضيع.. لا يضيع حقّ وراءه شيخ مثل الشيخ حمزة مال الله." (شريعة الشيخ مال الله ص61) . ومثل "القاتل دائما إنسان خائب.. فاشل. لا أعرف أحدا اسمه يزيد الصالح.. صدّقني.. وجرّه الشرطيان إلى الزنزانة!!" (جريمة قتل ص110). ومثل "اقتربَتْ أمي مني وسألت: مالك يا قَبّاري؟ قلت: لا شئ. وضعتْ راحتَها على جبيني وحدّقت في عيني ثم هزّت رأسَها وقالت: شامّه ريحَه مِشْ مْليحَة!؟ قلت: الدنيا للشاطر والمَشطور والكامخ بينهما. قالت: سلامة عقلك. وراحت تبحث عن أوراق الميرميّة.. وحَنَك الخروف." (الدنيا للشاطر ص135).

 

لكنّ انتقادي للكاتب محمد علي طه على إصراره في بعض المواقف على التفصيلات الصغيرة التي تُرهق الحدَثَ وتُطيلُ المشهدَ مثل تعليقات النسوة حول وَسامة وجَمال الشهيد، وتَصرّفات البعض منهنّ في قصة "أجمل عريس في الدنيا".

 

 وهذا يبدو أحيانا في نهايات بعض القصص مثل في قصة "المسخوط" فبينما كنتُ أفضل لو انتهت القصة عند "وخرجت الأصواتُ المزعجة إلى الخارج. حمَلها الأثيرُ إلى كلّ العالم.. كل العالم" فإنّ الكاتبَ أطال في النهاية وتوسّع، وأوصلنا إلى نهايات لم نتصوّرها، ولم تزد على القصّة الأساس شيئا.

كذلك، في رأيي، كانت نهاية قصة "العصفور والقفص" تكون أجمل وأكثر تأثيرا وإثارة لو انتهت بتساؤل الحاجة راضية الحزينة على فقدان العصفور : "لماذا فعلتَها يا الحبيب!؟؟  لماذا فعلتَها !؟؟ لماذا!". فالنهاية التي ختم بها الكاتب قصته جاءت لتُبدي رأيا وتُؤكّد حقيقة وكان بإمكان القارئ التوصّل إليها وحدَه.

 

كذلك قصة "عزيزي السيّد شوباتيرو" كنت أفضّل اختتامَها بالكلمات العفَويّة الحارّة الصادقة التي استقبلت نورا بها كاتبَنا :" ركضتْ نحوي وهي تقول: هل جئتَ إلى القاهرة لتُناضلَ كما ناضلتَ في جنيف؟". وجوابه لها مع الإضافة التي أقترحها "أجل. أجل. يا نورا. وتَعانقنا كأننا لم نفترق أبدا".

 

تجديدات محمد علي طه الذي تَعوّدنا على لغته الرشيقة الجميلة، في قصص مجموعته هذه، تبرز  في هذه النقلة نحو لغة الشعر والجمل القصيرة والمفردات الإيقاعيّة:

 "يا الحبيب

طال منقارك الأسود

 وقوي جناحك

 وارتفع ذنبك مثل سارية

 وزاد لمعان الذهب على عنقك

 كبرت وصرتَ شابّا

 أعرفُ.. والله أعرف

 أغانيكَ تغيّرت.. زقزقتك تبدّلت

 قبل سنة كنتَ تُغنّي للقطة روزا

 وتقفزُ في القفص لتُثيرَها.. وتُغضبه

 وتضحكُ من حركاتها وقفزاتها..

 واليوم تُغنّي!

 لمَن تُغنّي يا الحبيب!؟." (ص24-25)

 

 ومثل:

 "لن أعود.. لن أعود.. لن أعود يا هالة!

 طويلا كان الليل

 طويلا كان

 وفي الصباح نهضتُ . حلقتُ ذقني وتعطّرت..

 ارتديتُ ملابسي

اهتممتُ بأناقتي

 أعدَدتُ القهوة وقطعة البسكويت

 حملتُ الغلاية والفنجانَ وعلبة السجائر وخرجتُ إلى البرندة

 صببتُ القهوةَ في الفنجان

 ارتشفتُ الرشفة الأولى

 تناولتُ قطعة البسكويت وغمستها بالقهوة.. وأكلتها

 أشعلتُ السيجارة

 هل تأتي؟

 لن تأتي.

 هل تأتي؟

 ربّما تأتي. وارتشفتُ من فنجان القهوة ومججتُ من السيجارة

 وجاء صوتها ناعما عذبا حلوا كالعسل البري

 سميح. سميح. تعال

 نظرتُ إليها كانت تبتسم وأزهار النسرين والياسمين تتفتّح على ثغرها

 وتركت قهوتي وسجائري وهرولتُ..

 أنا قادم.. قادم..

 وسمعتُ صوت أمي:

 إلى  أين يا سميح؟ لم تشرب قهوتك!

 ولم أجب

 لم أردّ

 وفتحتُ الباب ودخلت

 خلعتُ ملابسي وأسرعتُ إلى الحمام

 كان باب الحمام مفتوحا..

 وكان الملاك عاريا

 ضحكت وقالت وهي تُعانقني: كبرت يا سميح!

 أجل كبرتُ . وحفظتُ درس الأمس

 صرتُ أعرفُ كيف يؤكل الكرز

 وصرتُ أعرف كيف أشرب القهوة مع الحليب

 وصرتُ أدري كيف أكسر الجوزة

 هالة يا معلمتي ويا جارتي أنتِ الجنّة وأنتِ الجحيم

 أنتِ العسل البري وأنتِ النحل

 أنتِ الوردة وأنتِ الشوك

 أنتِ الملاك وأنتِ الشيطان". (ص41-42).

 

ويبرز التجديد في تكرار الكلمة نفسها أو الجملة قصد التأكيد وترسيخ الإسم أو المعنى أو الزمن أو الفعل أو الفكرة في ذهن المتلقي "كانت حبيبات الندى. وكان يستغيث.. وكانت الحاجة راضية . والأصح لأنها كانت. وكان الدعاء." (ص9) و"كانت الشمس ما زالت خجلى. وكان الدجى قد لمّ أسماله"(ص11) و "كانت راضية روح الحارة. وكانت المغنية في الأفراح. وكانت تقف على رأس حلقات الدبكة" (ص19) "كان السيد سين راء. وكان قد ضغط على زر صغير. وكان يتابع مسلسلا. كانت زوجته قد تركت مقعدها. وكان صاحبنا." (ص62). "وقفت خرزة المسبحة في راحتها الصغيرة. ووقف الكلام في فيها" (ص10) و "تحرّك وزقزق زقزقة الخائف. الحاجة راضية تعرف الزقزقات .. وتفهمها. تعرف زقزقة العصافير وهي تُحلّق وترفرف. وتعرف زقزقة العصافير وهي تلاعب القطة. وتعرف زقزقة الحبّ.. وزقزقة السعادة.. وزقزقة الزوجين.. هذه الزقزقة هي صوت المستجير" (ص12) و "وتخال أنه يسمعها. وتخال أنّه يقول لها أشياء وأشياء" (ص24) و "نظر إليها. حدّق فيها وطار. طار إلى الخزانة.. طار إلى التربيزة.. طار.. طار.. وطار وهبط على كتفها" (ص27). و "حرصت أن يأكل وحرصت أن يلبس" (ص19) و "صرتُ أعرف كيف يُؤكَل الكرز. وصرتُ أعرف كيف أشربُ القهوةَ مع الحليب. وصرتُ أدري كيف أكسر الجوزة". و "أنتِ العسل البري وأنتِ إبرُ النحل. أنتِ الوردةُ وأنتِ الشوك. أنتِ الملاك وأنتِ الشيطان"(ص42).و "استمرّ الزوج بالعواء. استمرّ الزوج بالعواء" (ص76). و "الجامع الصغير الذي كان ذات يوم يسمى جامع النصر. الجامع الصغير الذي بناه الظاهر عمر. الجامع الصغير ذو البناء التراثي الجميل. الجامع الصغير في حي كريات رابين. الجامع الصغير مثل كوخ هندي بجوار قلعة إقطاعي. الجامع الصغير يروي قصة شهر نيسان. شاهدت صورة الجامع الصغير . وعندما نظرت في المرآة وجدت أنني أنا الجامع الصغير" ( الجامع الصغير ص118). و "مرّ شابّ. ومرّت امرأة. مرّ رجل. ومرّت صبيّة" (يا أمّة ص121) .

 

ويتلاعب بالفعل بمتابعة الواحد بالآخر "وما أن تنهض حتى تتوجّه إليك.. تراك.. تطمئن عليك. تشرب قهوة الصباح وتحدّثك. تنظّف الدار وتحكي معك. تطبخ وتغنّي لك. تُخيط.. ترفأ.. تحوك وهي تُناجيك" (ص23).

 

 ويتلاعب بالزمن وحركاته من خلال التلاعب بالفعل "ومضت أيام. وجاءت أيام. وذهبت أسابيع. وأقبلت أسابيع. وقدم الصيف. وراح الصيف. ومرّت فصول إثر فصول" (ص23).

 

 وتتوالى الأحوال عنده في الكثير من المشاهد ليؤكد حالة ويرسم مَشهدا كاملا مُتواصلا  "ومرّت فصول إثرَ فصول والحاجة راضية تعيش هادئة هانئة مشغولة بالحبيب" (ص23) ولم يستعمل الحال "راضية" لتَداخله مع إسم الحاجة راضية التي يصفُ لنا حياتها.

 

واهتم الكاتب في قصص مجموعته هذه، كما نعرفه دائما، بالحوار ومستويات الحوار بين مختلف شخصيات قصصه ، ولمسنا في بعض الحوارات النزوع نحو المناجاة الشاعرية خاصة في المشاهد العاطفية مثل مشاهد الحاجة راضية مع عصفورها في قصة "العصفور والقفص" ومشاهد سميح الصفدي مع جارته هالة في قصة "العسل البري".

 

ومحمد علي طه الذي تعوّدنا عليه، في معظم قصصه التي قرأناها له، هذا الراوي القادر على التنقّل بين شخصيات قصصه برشاقة وحذاقة وخفّة وحلاوة يُعير اهتمامه للصغيرة قبل الكبيرة ولا يهمل شخصيّة أو حدثا أو إشارة عابرة، نراه  في بعض قصص هذه المجموعة لم يكتف بدور الراوي في تَقديمه للقصة كما أنّه لا يترك الكلام للشخصيات وحدَها لتَروي قصتها . وإنما تقاسما الحديث والكلام. ففي قصة "العصفور والقفص" يروي لنا ما جرى للحاجة راضية، لكنه سرعان ما يترك لها حقّ الكلام لتُخاطب قطتها، ثم يعود ليروي لنا ما جرى لها حتى يتركها وعصفورها الحبيب لتندمجَ معه في حوار طويل تبوح له بكلّ ما يتفاعل في داخلها من مَشاعر ومَشاغل ورَغَبات. ونراه في قصة "العسل البري" يترك الكلام كله لبطل القصة سميح الصفدي ليروي قصته، ودوره ككاتب يتقلّص إلى وظيفة ناقل القصة للقارئ دون أن يكون له أيّ تأثير على بداية الأحداث وتطوّرها ونهايتها.

 

ومحاولات الكاتب التجريبية في بعض قصص هذه المجموعة جاءت ناجحة، إذا كان في قصر دوره ككاتب على نقل قصة بطل قصته للقارئ "العسل البري" أو في التماثل مع الشخصية وتقاسم الأدوار معها في القص والكلام "العصفور والقفص". أو في الجنوح إلى عالم الخيال واللامعقول الغرائبي لتصوير داخلية الإنسان الحقيقية التي يتستّر عليها أمام الناس كقصة "المسخوط" أو الذهاب إلى عالم الحيوان والطير للتنفيس عمّا تعانيه النفس الانسانية من هموم الحياة غير المتوقفة، كما في قصة "العصفور والقفص".

 

 وفي تضمين بعض قصصه نوادرَ ذات دلالات عميقة مثل ما جرى لتوفيق الحكيم وهو يدرس في باريس مع الكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس عندما نقل إليه طلب الوفد المصري الذي يزور باريس منه أن يكتب مقالة لتأييد مطالب مصر بالإستقلال. (العسل البري ص31-32). وقصص تراثية واستحضار شخصيات من القديم مثل أبي حيان التوحيدي.  

 

صحيح أن محمد علي طه لم يكن الكاتب الوحيد الذي حلّق في العالم الغرائبي وبحث عن ضالته بين الحيوانات والطيور ، ولكن ذلك لا يُفقده حقّه، ويبقى لنا حقّنا في أنْ  نحاسبَه فقط على مدى نجاحه وتجديده وتميّزه.

 

أخيرا أريد أن أقول حقيقة وهي أنّ محمد علي طه تألّق في قصص المجموعة القصيرة جدا، فقد جاءت كاملة الوصف، كما يُقال، شكلا وبناء ولغة وفنية. ونجح الكاتب في أن يطرح العديد من القضايا المهمة وأنْ يُقَدّمها في قصص جميلة أخّاذة تأسرُ القارئ من أوّل كلمة حتى الأخيرة.

صحيفة "الإتحاد" 20.4.2007

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi