مذكرات إمرأة غير واقعية

رواية سحر خليفة التي تجاهلها النقّاد!؟

 د. نـبـيـه القــاسم

       نجحت سحر خليفة منذ روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" الصادرة عام 1974 أن تشدّ إليها اهتمام القراء والنقّاد وأن تُرسّخ وجودها على الساحة الأدبية. وبصدور روايتيها الصبار(1976) وعبّاد الشمس (1980) وتصويرها لوضع ومعاناة الانسان الفلسطيني تحت نير الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ حزيران 1967 فرضت سحر على نفسها التزام هموم شعبها وتصوير حياته اليومية وما فيها من تعقدات وتشابكات خاصة بكل ما يتعلق بوضع المرأة وعلاقتها بالرجل، وبالمقابل في مرافقة نضال الناس في مواجهتهم لاحتلال الأرض وظلم الانسان. حتى باتت سحر تُؤطّر بين ثنائيتين هما : المرأة في مواجهة الرجل. والانسان الفلسطيني في مواجهة جندي الاحتلال. هاتان الثنائيتان المترافقتان والمتلازمتان في معظم رواياتها حتى أصبح من الصعب الفصل ما بين النضال ضدّ المحتل الغريب والنضال ضدّ ظلم الرجل والمجتمع للمرأة، والاقتناع أنّ تحرّر الوطن من رَبَقة الاحتلال لا يكون كاملا وناجحا إذا لم يُرافقه تحرّر المرأة من قيود المجتمع والرجل.

     لقد عايَشت سحر خليفة الناسَ وعانت ما عانوا وآمنت لفترة من الزمن أن ظروف الاحتلال والمقاومة قد تصقل المجتمع الفلسطيني وتأتي بشعب جديد عركته النضالات ووحدته الأهداف ومحت الفوارق بين فئاته ووضعت المرأة في مكانة واحدة مع الرجل لأنها كانت مرافقته وساعده الايمن، وفي كثير من الحالات المتقدّمة عليه ورأس الحربة في مواجهة المحتل، هكذا آمنت سحر ورسمت في روايتيها "الصبار و عبّاد الشمس" وهذا ما عملت على تحقيقه وفَرضه في حياتها اليومية والجامعية حيث نشطت في مختلف المجالات وكانت صاحبة الصوت القويّ والحضور الملموس

     لكنّ خيبة أمل سحر خليفة كانت كبيرة وهي ترى أنّ سنوات الاحتلال العجاف التي زادت على العقد والنصف لم تُحقّق الذي أمِلته، وظلّ المجتمعُ الفلسطيني بكل موراثاته القديمة هو الضاغط، والرجل الذي أمِلت، من خلال مرافقتها له في الحياة النضالية والمَعيشية اليومية، أن يكون قد تغيّر وتبدّل وتفهمّ لأهمية دورها، ظلّ هو الرجل الذي لم تُغيّره الشهادات التي يُعلّقها على الحائط ولا ما تفرضه عليه ظروف الاحتلال وما فيها من إهانة وإذلال واحتقار وإلغاء لعنجهيتة الجوفاء. وزاد من حزن وثورة سحر ما ألمّ بالفلسطيني، وبالتحديد بالمرأة الفلسطينية في لبنان وما وصلها من أخبار المجازر التي تجاوزت كلّ حدود اللامعقول والخيال في مخيّمي صبرا وشاتيلا.

    هذه الخيبات المتتالية كانت ثمرتها رواية سحر خليفة الجديدة "مذكرات امرأة غير واقعية" التي صدرت عن دار الآداب في بيروت عام 1986

    تروي في هذه الرواية قصة فتاة باسم عفاف ولدت زمن الحكم الأردني في مدينة من مدن الضفة لأسرة ميسورة الحال، والدها يعمل مفتشا مما أكسبه وأهلَ بيته مكانة وهيبة بين الناس. ما أزعج عفاف منذ صغرها هذا الانحياز الكلي للولد الذكر على حساب البنت، فكل ما يعمله مغفور ومقبول، بينما البنت مرفوضة ومقيدة ولا حقوق لها. وهذا ما دفع عفاف لمحاولة إلغاء هويتها بالتظاهر والتصرّف كالولد الذكر مما أثار عليها انتقادات الأهل وجعلها ترفض وتتحدّى وتثور. وأخذت تصادق زميلاتها من الأسر الفقيرة وتلعب مع أولاد في سنها رغم تحذيرات أمها ومنعها من ذلك. تكبر عفاف وهي تعمل على كسر تابو الذكر، فارضة وجودها ومثيرة انتباه الكلّ، غير آبهة بالانتقادات والتحذيرات والأوامر. في المدرسة، بعد الاحتلال الاسرائيلي للضفة، تُصادق زميلة باسم نوال منظمَة حزبيا ومناضلة في الحزب الشيوعي، تقوم بتوزيع المناشير الداعية للفكر الاشتراكي والرافضة للاحتلال. لكنها تظل في نقاش حادّ مع نوال حول مَن يأتي في المرتبة الأولى من الأهمية: العمل على تحرّر المرأة من ظلم الرجل والمجتمع كما ترى عفاف، أو العمل على تحرير الوطن من المحتل أوّلا كما ترى نوال.!؟ وتفشل الواحدة في اقناع الثانية ويظلّ السجال بينهما.

     ويحدث أن يضبط والدها في دفترها ورقة كتبها لها فتى تعرفه يُصارحها بحبّه لها، فتثور ثائرة الأب والعائلة وتُزوّج عفاف من تاجر موسر يعمل في إحدى الدول الخليجية ، وهناك تعيش في بيت وحيدة طوال ساعات اليوم لا تكلم أو تُجالس أحدا، تضيق بزوجها الذي أرغمت على الزواج منه وفَشل في كسب ودّها، وكرهت أن تلدَ له ولدا فعملت على اسقاط الحَمل مما تسبّب بمضاعفات خطيرة أدّت إلى استئصال الرحم وعقمها وجعل حياتها خاوية لا أمل لها فيها، فزوجها، انتقاما منها، لا يقبل طلبها بالطلاق، ويهملها ويعيش حياة ليلية صاخبة حيث يعود إليها ساعات الليل المتأخرة ليزيد عذابها باهانتها وضرب قطتها المؤنسة الوحيدة لها في غربتها، وتفشل عفاف في كل محاولاتها حتى نجحت أخيرا في إقناعه بالسماح لها بزيارة الأهل في الوطن ولكنه يتركها تعود وحيدة بينما هو يختار الدول الأوروبية ليسافر إليها . في عمان تلتقي عفاف صديقة صباها نوال التي تعمل الآن في مصرف، وتكشف لها نوال عن زيف صديقها الثوري الذي أحبته وبادلته الحب والأحلام والعمل النضالي، لكنه رفض الزواج منها مفضلا ابنة عمه عليها.  وكذلك تلتقي عفاف بفتى أحلامها الذي كتب لها كلمات الحب وسبّب في زواجها وحياتها التعيسة، واكتشفت أنه لا يختلف عن أي رجل فهو يريدها عشيقة له بينما يصرّ على الابقاء على زوجته والحفاظ على أولاده وبيته مما صدمها وجعلها تبتعد عنه وتتركه وتتابع سفرها إلى أهلها في الضفة الغربية. وتُصدَم مما ترى وتجد، البيت البارد الخالي من أهله إلاّ الأم الوحيدة التي تعاني من الإهمال والوحدة بعد موت الزوج، والإخوة المشغول كل منهم بمشاغله وهمومه الخاصة، جلسات النساء المملة والنابشة في اعراض الغير، وجو الخمول والاستسلام والعجز الذي يعيشه الناس في ظل الاحتلال مما دفع بالعديد للقبول بالواقع المرّ أو الهجرة وترك الوطن.     

    كل شيء صدمها في الوطن، المدينة ليست المدينة، وبيت الأهل ليس الذي عرفته، غريبة هي في بيتها ووسط ناسها، ليس لها وجود، حتى صورة العائلة المعلّقة على الحائط لا وجود لها فيها. حياة الناس هي هي،  لم يتغيّر شيء، نفس الكلام. نفس الأفكار، ولا يبقى أمامها إلاّ أن تتخذ القرار الصعب، ولكنه الوحيد، بالعودة إلى زوجها والاستسلام للحياة التي فُرضَت عليها.

    تبدو القصّة للقارىء عاديّة في موضوعها لا تختلف عن روايات عديدة قرأها، لكن القارىء نفسه قد يستغرب ويتساءل عندما يعرف أنّ الكاتبة فلسطينية والرواية تحكي قصة أسرة فلسطينية وتعكس واقع وفكر مجتمع فلسطيني يرزح تحت نير الاحتلال ولا يزال. والأكثر إثارة للتساؤل أنّ القارىء لم يلمس أثر الاحتلال القوي على سير الأحداث وحركات الشخصيات وواقع الحياة اليومي!!

     لعلّ الكاتبة سحر خليفة قصدت ذلك، وأرادت أن ترفع صرختها عاليا لتُنبّه الجميع إلى ما آل إليه الوضع في الأراضي المحتلة، وكيف أن احتلالا كهذا الواقع ، والسنوات الطويلة التي انقضت لم تفعل فعلها وتعمل على تغيير بنية ومفاهيم وأفكار أبناء هذا المجتمع. لعلّ سحر أرادت أن تقول: إنّ مجتمعا يحتقر المرأة ويستهين بها ويهمشها لن يكون مجتمعا قادرا على نيل حريته واستقلاله.

ولعلّ النقّاد من جهتهم تبنوا الموقف الثاني وهو أن تحرير الوطن هو الأهم وكلّ القضايا الأخرى يمكن تاجيلها وحلّها فيما بعد، وهذا ما دفعهم إلى عدم الاهتمام بالرواية وتناولها بالتحليل والنقد، خاصّة وأن الانتفاضة انفجرت في الأراضي الفلسطينية بعد أشهر من صدور الرواية عام 1987، وجاءت بعد سنوات الركود والقهر والحزن وشبه الاستسلام للواقع مفاجئة للجميع، فشدّت إليها الاهتمام وألهبت حماس الجماهير في كل الوطن العربي ولفتت انتباه العالم.

   لقد نقلت الكاتبة صورة قاسية لهذا المجتمع الفلسطيني لا تختلف، كما أعتقد، عن واقع المجتمعات العربية الأخرى! مجتمع يحتقرُ فيه الغنيّ الفقير، ويخضع فيه الضعيفُ للقوي ويتذلل له وينافقه. فأم عفاف تكاد تُجن عندما علمت أنّ ابنتها تلعب مع فتيات من الطبقة الفقيرة، وحاولت ردعها عن ذلك. ووالد عفاف يتهادى متفاخرا بمركزه بين الناس البسطاء المبهورين ، ولكنه يتصاغر أمام المفتش الأعلى منه درجة في العمل. مجتمع تُحتَقر فيه البنت من يوم مولدها بينما يُحتفى بالمولود الذكر، ويتعطرون ببوله وتُغتفَر له ذنوبه مهما كبرت طوال سنوات عمره، بينما البنت تُراقَب وتُدان وتُعاقب وتُقيّد وقد تُقتَل لمجرّد أن زلّت بها القدم أو رفض مجتمعها الذكوري تصرّفها.

    لقد أرادت سحر خليفة من خلال شخصية عفاف أن ترفع صوت الفتاة المتمردة المطالبة بحقها في الحياة والحرية، الفتاة التي ترفض هيمنة الذكر الأب أو الأخ أو العم أو حتى الفارض هيمنته من خلال استغلال موقع الأم وتأثيرها. لقد أرادت سحر أن تؤكد على حريّة الفتاة في تصرفاتها وجسدها وأفكارها وطريقة عيشها ومن خلال شخصية نوال المناضلة الشيوعية، أحقيّة البنت وجدارتها في دورها النضالي المقاوم. أما تلك النماذج من النسوة المتمثلات في الأخوات والجيران الراضيات بواقعهن والمستسلمات لقدرهن والمنزويات في بيوتهنّ، الغافرات للرجل كلّ ذنوبه، فهنّ النموذج للمرأة المنسحقة في المجتمع العربي الذكوري،  النموذج الذي يُريد الرجل الإبقاء عليه وتكريسه. ومثل هذا النموذج النسائي هو الذي ترفضه الكاتبة وتريد توعيته وتثويره وتفعيله ودَفعه للمواجهة والوقوف في وجه الرجل ليأخذَ حقوقه ودورَه في صنع الحاضر والبناء للمستقبل. والمجتمع الفلسطيني لم يعدم مثل تلك الفتيات المناضلات أمثال تلك الفتاة التي شاركت الرجال في القتال والمقاومة (ص137) والمرأة التي رفضت كلام الناس وتزوجت بعد مقتل زوجها المقاوم حفاظا على مستقبلها ومستقبل ابنتها (ص142-143).

    وتصوّر سحر خيبتها من إمكانية تحقيق التغيير السريع في مجتمعها وفي الرجل بشكل خاص بانكسار كل من نوال وعفاف.  نوال التي خُدعَت بالرجل الثوري، رفيقها في الحزب وزميلها في النضال، واكتشفت بعد أن أسلمته قلبَها وجسدَها أنّه لا يختلف عن باقي رجال مجتمعه(ص 117). وعفاف التي قضت السنوات تتوق للقاء فتاها الوحيد الذي تصوّرته مغايرا فاكتشفت أنّه ككل رجال مجتمعه أنانيّ محبّ لنفسه يحتقر المرأة ويراها أداة لهو وإناء تفريغ لأحزانه وهمومه وشبقه، ويقتصر دورها، في رأيه، على توفير الجنس للرجل وتربية الأولاد وتدبير البيت، "فالرجل العربي مهما تعلّم يظلّ يحتفظ بنفس الصورة، المرأة فريسة وهو الصيّاد"(ص 135).

    وسحر نفسها بوصفها لبطلة روايتها "امرأة غير واقعيّة" قد توقع القارئ في وَهْم استسلامها للواقع، والاعتقاد بأنّ تصرّفات عفاف وأفكارها هي المرفوضة بينما كان الآخرون على حقّ. بينما ما تُريد الكاتبة أن تقوله ويتبنّاه القارئ، هو أن عفاف بالفعل لم تكن امرأة واقعية في مثل هذا المجتمع الذي لا يزال يعيش في مفاهيم ومعتقدات كانت مقبولة قبل مائة عام وأكثر، لكنها اليوم وفي الربع الأخير من القرن العشرين، وقد تطوّر العالم وتغيّرت المفاهيم والأفكار والحياة، وانفتح الكلّ على الكلّ، كيف ترضى بواقع مجتمعها واستكانة أبناء شعبها واستمرارية تحكّم المفاهيم والمعتقدات التي كبّلت المرأة وهمّشتها وأخرجتها من دائرة التأثير والعمل، وحتى كبلت الرجل وسحقت شخصيته وجعلت منه مخلوقا مستعبَدا لا يثق بقدراته وينتظر رحمة السماء لعلّ وعسى!؟ مجتمع كهذا يرزح أهله تحت نير احتلال غريب يُصبح هو غير الواقعي وغير المعقول، يجب التمرّد عليه والثورة ضدّه، وهذا ما فعلته عفاف بطلة رواية سحر خليفة الواقعية جدّا.

    لقد اختارت سحر خليفة أن تكتب روايتها على شكل مذكرات ترويها عفاف بطلة الرواية. والسرد بضمير المتكلم المفرد وَفّر لبطلة روايتها القدرة على اختيار المواقف والأحداث التي تُريد التركيز عليها والوقوف عندها، وجعل صوت عفاف، بطلة الرواية، هو الصوت الوحيد المقدّم للقارئ يحمل وجهة النظر الوحيدة، وإذا ما قُدّمت وجهات نظر أحد أفراد أسرتها أو صديقتها نوال فترتد إلى داخل ذاتها مستحضرة الماضي عبر شريط تستعرضه لحوار لها مع ذلك الشخص. لكن هذا السرد بضمير الأنا أعطى للقص دفئا خاصا وقرّب عفاف من المتلقي ليتعاطف معها ويتفهم أناها المعذبة ويؤيدها في رغبتها الانعتاق من الظلم وإثبات وجودها كأنثى لها مكانتها.

       كون عفاف، بطلة الرواية، هي الساردة الوحيدة للأحداث جعلها تعتمد تيّار الوعي حيث    تتنقل عبر الأزمنة، تخلط ما بين الحاضر والماضي والمستقبل، وإن كان الزمن الماضي هو المستأثر بالقسط الكبير، لأن ما تسرده هو مذكرات لأحداث جرت تستعيدها من الذاكرة، حتى غدت حياتها الحاضرة مقتصرة على ما كان في الماضي لدرجة أنها تعترف قائلة: "أحسست أني قطعة من ذاك الماضي، وأنّ الماضي ما زال حولي وأني ما زلت بانتظاره كي يمرّ في إحدى الطرقات ويراني أمامه".(ص28) فعفاف لا تحلم بمستقبل أجمل تعمل للوصول إليه بل نراها تحلم بالماضي وبعودته حيث فيه تجد حبيبها وسعادتها وكيانها. وإذ يتحقق لها ذلك بلقاء صديقتها نوال وحبيبها الولد الأهبل وأمها وأهل بيتها والجيران، تُصدَم ويتعرّى زيف هذا الماضي الجميل الذي تَوهمته، فترتدّ إلى نفسها وتختار حاضرَها مع كل قسوته مفضلة إيّاه على الوهم الكبير الذي عاشته كل السنوات الماضية في الغربة.

   وكما طغى الزمن الماضي على فكر وحياة عفاف هكذا كان للأمكنة القائمة في الوطن سطوتها على عفاف في بلاد الغربة حيث كانت تستعيدها بكل عواطفها وحبها وشوقها، رافضة مكانها الذي تقيم فيه حيث الصحراء والوحدة والجو الخانق فَ "ربيع بلدي شيء آخر"(ص 73). صحيح أنّ علاقة عفاف مع الأمكنة بدت سطحية مجرد ذكر اسمها أو وصف خارجي عابر ، فلا نجد هذا الاحتضان للمكان والتماهي معه والوقوف على تفاصيل جزئياته ووصفها، حتى البيت الذي أقامت فيه وحيدة في الغربة وكانت تقضي فيه ساعات اليوم بطولها لم تهتم أن تصفه واكتفت بذكر الغسالة وحبل الغسيل والصحون والخزانة بكلمات عابرة. هكذا كانت علاقتها بمدينة عمان التي تتمثلها بسجن الفقراء، ومدينة القدس التي تنحصر رؤيتها لها في كونها مدينة سياحية مفتوحة لجنسيات مختلفة وأديان مختلفة. حتى البيت الذي ولدت وكبرت فيه لم تتوقف عند جزئياته واكتفت بذكر ما شدّ انتباهها ورغباتها مثل البركة والأوراق التي كانت تسقط فيها من شجرة الخشخاش.

    لقد تألّقت سحر خليفة في روايتها هذه باستعمال مختلف أساليب السرد والحوار، والمرونة باستخدام اللغة ما بين الفصحى والعاميّة، وحافظت على عفويتها في اختيار الكلمات والعبارات، وتميّزت كعادتها بجملها القصيرة وكلماتها القليلة الحادّة في دلالتها وإيقاعها. كما اعتمدت أسلوب الوعي خاصة في مشاهد حياتها مع زوجها وعلاقاتها مع عنبر قطتها في الغربة.

    صحيح أنّ النقّاد تجاهلوا رواية سحر خليفة هذه، وقد تكون لهم أسبابهم التي حاولنا توضيح بعضها، إلاّ أنّ الصحيح أيضا أن رواية سحر هذه "مذكرات امرأة غير واقعية" تشكّل علامة بارزة ليس في إبداع الكاتبة فقط، وإنّما في الإبداع الروائي العربي حتى منتصف سنوات الثمانينات من القرن العشرين.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi