الدكتور نبيه القاسم وبحثه عن رحلة الشعر من خلال مجلد "الجديد"

د. منير توما

 

كان الدكتور نبيه القاسم قد أهداني مشكورًا كتاب "الحركة الشعرية الفلسطينية في بلادنا" والذي صدرت الطبعة الأولى منه عام 2003. ويتناول الكتاب هذه الحركة الشعرية من خلال مجلة "الجديد" 1953-1985 حيث نرى أن الباحث قد قام بالتنقيب غير اليسير من خلال اطّلاعه على ما يزيد على ألفي قصيدة لعشرات الشعراء بالإضافة إلى الدراسات المتنوعة التي تناولت الحركة الشعرية كما أشار في دراسته المستفيضة في هذا الكتاب.

يبدو  من كتاب الدكتور القاسم أنه قد بذل جهدًا فائقًا في هذه الدراسة من خلال متابعته الشاملة لما ورد في مجلة "الجديد" عن قصائد الشعراء في بلادنا بما يتضمن ذلك من أغراض ومضامين وأشكال فنية وتأثيرات سياسية واجتماعية وأدبية على مسيرتهم الشعرية.

ويبين لنا الباحث "كيف استطاعت مجلة "الجديد" أن تحضن الحركة الشعرية وتدفع بها إلى التطور المستمر، وتكون المنبر المهم المنظم الذي يواكب الحركة الشعرية على مدار ما يقترب من أربعين عامًا". كما يوضح الدكتور نبيه اتجاهات الحركة الشعرية العربية المحلية والمضامين التي ميزتها في السنوات الأولى وهي: الاتجاه الذاتي، الواقعي الاجتماعي، الوطني، القومي، الأممي، الإنساني.

إن ما يميز دراسة الدكتور القاسم هو أن النص يقول ما يقول فلا حاجة هنا للنقد، ولكن الأمر الذي نجح فيه الدكتور نبيه في هذا الكتاب أنه تعرض للنقد الثقافي الذي يتجه للأنساق وليس للنقد الأدبي الذي يتجه للنصوص. فالنسق هو روح الثقافة التي تكتشف أن هناك شيئًا واحدًا يجمع بينها هو النسق. فالباحث هنا تناول "ملامح التغيير الأولى في بناء شكل القصيدة بتأثير زيادة عدد المتعلمين وأصحاب المواهب الذين اكتسبوا المعرفة والعلم خلال دراستهم الثانوية، ووصول المجموعات الشعرية المختلفة من الدول العربية، وزيادة الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي بين الجماهير العربية في إسرائيل والتفاعل مع ما يحدث في العالم العربي، وما كان من تأثير للمهرجانات الشعرية التي شهدتها ساحات القرى والمدن العربية على تفاعل الشاعر مع الجمهور، واكتساب التجربة وتطوير الأدوات الفنية، وما تبع ذلك من انتشار ظاهرة القصيدة المنبرية بما تميزت به من ملامح" وهذا يؤكد ما طرأ على الوسط الأدبي من تغير في مفهوم الثقافة وآليات التأثير.

إن هذه الدراسة التي نحن بصددها في هذا الكتاب هي دراسة تأصيلية وتحليلية للحركة الشعرية الفلسطينية في بلادنا حيث يدرس الباحث الفكر الشعري وطرق الاستدلال لدى شعراء تلك الحقبة من خلال الوصف والتصنيف للقواعد التي يتبعها التفكير بالفعل في مختلف ألوان الشعر كما يمتد إلى النقد والتمحيص والبحث عن المبادئ التي قامت على أساسها تلك الحركة الشعرية وتحديد المشاكل والصعوبات التي عالجتها منهجية هذه الحركة خلال تطورها.

يُنوّه الباحث الدكتور نبيه القاسم إلى أن شعراء البلاد قد حملوا الهم الجماهيري على مختلف جبهاته الاجتماعية والمادية والدينية واللغوية والحضارية والثقافية والتعليمية والوطنية والسياسية وشكلوا خط الدفاع عن مصالح وآمال الجماهير، والهجوم الأول على مخططات الظلم والتجاهل التي استهدفت الجماهير العربية وكان من أبرز هؤلاء الشعراء محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران وراشد حسين وحنا أبو حنا وتوفيق زياد وغيرهم من الشعراء الذين عرفوا بتعاطيهم مع هذه القضايا.

ويتطرق الباحث إلى الصورة الشعرية لدى شعراء الحركة الشعرية الفلسطينية كما تظهر من خلال القصائد المنشورة في مجلة "الجديد"، فنرى أن الصورة الشعرية قد بدت بتنظير جديد فأصبحت رحبة عميقة دقيقة نابضة حية تفيض بالعواطف والمشاعر والأحاسيس وتزدهر بالألوان والظلال والأضواء وتتنوع فيها المواقع والحجوم والأشكال وتتذوق منها الطعوم المختلفة والروائح المتنوعة. وقد حاول الدكتور نبيه القاسم أن يوجز ذلك بالتلميح الى أن معنى الصورة الشعرية هو التركيب القائم على الدقة في التنسيق الفني الحي لوسائل التعبير التي ينقيها وجود الشاعر المطلق ونعني بذلك خواطره ومشاعره وعواطفه من عالم المحسات ليكشف عن حقيقة المشهد والمعنى في اطار قوي نامٍ محسن مؤثر على نحو يوقظ الخواطر والمشاعر في الآخرين فتتجاوب النفس مع اصداء الحياة وأسرار الجمال في الطبيعة والكون. لذلك استقصى الباحث هنا روافد الصورة في الحركة الشعرية الفلسطينية منابعها وعناصرها وشروطها وخصائصها في اللفظ والأسلوب والنظم والحقيقة والخيال والإيحاء والظلال الموسيقية والإيقاع.

ويخبرنا الباحث أنّ أوّل من كتب القصيدة الحرة في الشعر العربي في إسرائيل هو الشاعر حنا أبو حنا في بداية الخمسينات بقصيدة "عشر سنين" بعد أن كان معظم الشعر في بلادنا يسير على نسق القصيدة العمودية أي شعر الموزون المقفى. وقد رأينا من خلال دراسة الدكتور نبيه القاسم أن الصورة الأدبيه لدى شعراء البلاد كانت تنبع من موسيقاها الخارجية كالوزن والإيقاع والقافية، ومن موسيقاها الخفية والداخلية في تلائم اللفظ مع المعنى والتنسيق بين المشتقات والصيغ والسيولة والتدفق وسهولة اللفظ وعذوبته والإيحاء والتجسيم والتشخيص والمحسنات البديعية وغيرها. ويستدل من هنا أن التحول السياسي قد يحدث فجأة، وأما التحول الفني فيحتاج إلى مراحل زمنية يصيب أثناءها أقدارًا من النماء والترعرع ولا يأتي بشكل فجائي، وإنما يسير سيرًا طبيعيًا مع الزمن.

ويتحدث الدكتور نبيه القاسم عن المهرجانات الشعرية التي كانت قد أصبحت تقليدًا في السنوات الأخيرة من الخمسينات وبداية الستينات موضحًا أنه كان هناك أثر للمهرجانات الشعرية على تفاعل الشاعر مع الجماهير وقضاياها اليومية، وهذا أدى في رأيه إلى تبسيط لغة الشاعر ووضوح الفكرة التي يطرحها فجاءت القصيدة تقريرية مباشرة. ويأتي الدكتور نبيه بأمثلة من قصائد لمحمود درويش وتوفيق زياد في هذا الصدد مشيرًا إلى أنه نظرًا لعدم نضوج التجربة الشعرية آنذاك ولأن الفكر النظري كان هو المكتسب والموجّه فإن التقريرية المباشرة تطغي على كثير من القصائد المحلية، وإن اسبغت عليها حرارة العاطفة وصدق التجربة حيوية أخفت ثقل التقريرية والمباشرة.

ولا بد لنا هنا أن نؤكد أن المضمون الفكري أو معنى العمل الأدبي أو الرسالة الإنسانية التي يريد الأديب أو الشاعر توصيلها إلى الملتقى، كانت دائمًا محل جدل النقاد والأدباء والفنانين والفلاسفة، ومثارًا لخلاف في وجهات نظرهم وتحليلاتهم وتفسيراتهم عبر العصور والفترات الأدبية، خاصة وأن المضمون الفكري أو معنى العمل الأدبي أو الرسالة الإنسانية التي يريد الأديب أو الشاعر توصيلها إلى المتلقي، كانت دائمًا محل جدل النقاد والأدباء والفنانين والفلاسفة، ومثارًا لخلاف في وجهات نظرهم وتحليلاتهم وتفسيراتهم عبر العصور والفترات الأدبية، خاصة وأن المضمون الفكري كان الوجه الآخر للشكل الفني الذي كان ولا يزال القضية المثارة والملازمة دائمًا لكل مراحل تطور الأدب بصفة خاصة، والفن بصفة عامة. وكثيرًا ما وقع النقاد في محظور دراسة المضمون الفكري منفصلاً عن العمل الفني الذي جسّد، وكان الشكل الفني مجرد وعاء أو غلاف له، تنتهي مهمته بانتهاء فهم الرسالة الفكرية التي يريد الفنان توصيلها. ولكن الدكتور نبيه لم يغفل هذا الأمر وأشار إليه كما رأينا بوضوح تام وبرؤية ثاقبة قويمة.

لقد أشار الباحث إلى تأثير الشعر المهجري على بناء ومضمون القصيدة العربية داخل إسرائيل حيث يقول بأن "التوزيع المقطعي والأجواء العاطفية الذاتية كانت صفة معظم القصائد في سنوات الخمسين. وساعد توزيع القصيدة على مقاطع عدة على إعطاء الشاعر القدرة على التشعب في المواضيع التي يتناولها وفي الأفكار التي يريد طرحها، وأن يتحرر من قيود القافية الواحدة، خاصة في القصائد العمودية". وهنا نميل بأن الدكتور القاسم يريد أن يقول بأن المضمون الفكري حتى ولو كان فكرة شائعة أو قضية يعلمها الجميع متى تفاعل مع الشكل الفني للعمل الأدبي أصبح خاصًا به. وليس له امتداد خارجه، أو اتصال بأي شيء آخر، حتى لو كان الفكرة الشائعة أو القضية التي يعلمها الجميع، والتي أوحت به. ولذلك فان مضامين الأعمال الناضجة تبدو دائمًا جديدة كل الجدة، برغم أنها مستوحاة من أفكار ومضامين ملك البشرية جمعاء. فالأديب الواعي هو الذي يجسد التفاعل بين هذه الأفكار والمضامين وبين تطورات العصر الذي يعيشه، والذي يلقي عليها أضواء جديدة، وينظر إليها من زوايا معاصرة، لم تكن تتأتى لمن سبقوه، من الذين عالجوها وجسّدوها في أعمالهم. والأديب أو الشاعر هو ابن عصره، فإذا فشل في استيعاب روحه وتجسيدها فلن ينجح في استيعاب أي عصر آخر لم يعشه بالفعل، وبالتالي لم يعايشه، فليس هناك مصدر لتلك الطاقة المتجددة التي يملكها الأدب سوى التفاعل المستمر بين الأفكار والمضامين الإنسانية التراثية، وبين معطيات العصر وتفاعلاته المستمرة مع دورة الزمن الأزلية.

ويشير الدكتور القاسم في خاتمة دراسته الى أن مجلة "الجديد" استطاعت خلال السنوات الطويلة التي تقترب من الأربعين عامًا أن تنقل للقارئ العربي في إسرائيل النماذج الشعرية المختلفة والواضحة في موقفها ألأممي الإنساني الثوري اذا كان ذلك من الشعر العربي أو العبري أو العالمي وخاصة الاشتراكي والروسي خاصة. وعرّفت القارئ على كبار الشعراء أمثال: بابلو نيرودا، بريخت، لوركا، ناظم حكمت، طاغور، يفتيشنكو، أيلوار، محمد مهدي الجواهري، بدر شاكر السيّاب، عبد الوهاب البياتي، صلاح عبد الصبور، نزار قباني، محمد الفيتوري، أدونيس، سعيد عقل وغيرهم". ونحن نرى في ذلك إشارة ضمنية من الباحث إلى أن مجلة "الجديد" مع تحفظه في هذه النقطة لم تكن ترى أنه يوجد مضمون صالح للقصيدة، وآخر غير صالح، لأنه لا توجد مضامين مسبقة وسابقة التجهيز لزوم الاستعمال الفوري، وإنما المضمون الفكري في العمل الفني لا يكتسب هذه الصفة أو الخاصية إلا إذا انصهر تمامًا في بوتقة الشكل الفني، وأصبح جزءًا عضويًا لا يتجزأ منه، فالعمل الأدبي يستمد عناصره من الحياة لكنه ليس صورة بها، وهو ليس معادلاً للحياة أو بديلاً عنها، لأن ما يزودنا به يختلف عما تزودنا به الحياة، فهو لا يمكن أن يزودنا بشيء خارج عن نطاقه، لأن قيمة العمل الأدبي ليس فيما يمدنا به من معلومات أو خبرات، وإنما في الأثر المعين الذي يحدثه في نفوسنا كما هو، كاملاً محددًا كما خلقه الفنان.

وفي ضوء ما تقدم، نجد أن المنهج الذي اتبعه الدكتور نبيه القاسم في هذه الدراسة ليس رصدًا تاريخيًا استقرائيًا، أو تسجيلاً إحصائيا أو محاولة تحديث، ومعرفة لأفكار هذا التراث تعصبًا له أو عليه، بل هو منهج تحليلي يعتمد النص الأدبي أو النقد وما ينطق به أساسا رئيسيًا للتحليل والتقويم، دونما نظر إلى ما حوله من مؤثرات إلا بقدر ما يخدم التحليل ويساعد في الوصول إلى التقويم السليم. وبذلك المنهج يمكن أن يماط اللثام عن التحليقات الأدبية والومضات النقدية في فترة زمنية محددة من أحقاب تاريخ الحركة الشعرية الفلسطينية في بلادنا، لا سيما أن الباحث في هذه الدراسة لم يجعل الجمالية تبرر العيوب النسقية الثقافية.

فللدكتور نبيه القاسم أجمل التحيات مقرونة بأصدق مشاعر المودة، مع أطيب التمنيات بدوام العطاء والتوفيق والازدهار في عالم الأدب والثقافة.

 

 

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi